ابن عربي

66

فصوص الحكم

مثل هذا من الأرواح ما عدا روحَ الخاتم ( 1 ) فإِنه لا يأتيه المادة إِلا من الله لا من روح من الأرواح ، بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح ، وإِن كان لا يَعْقلُ ذلك من نفسه في زمان تركيب جسده العنصري . فهو من حيث حقيقته ورتبته عالم بذلك كله بعينه ، من حيث ما هو جاهل به من جهة تركيبه العنصري . فهو العالم الجاهل ، فيقبل الاتصاف بالأضداد كما قَبِلَ الأصلُ الاتصاف بذلك ، كالجليل والجميل ( 2 ) ، وكالظاهر والباطن والأول والآخِر وهو عينه ليس ( 3 ) غير . فيعلَم لا يعلم ، ويدري لا يدري ، ويشهد لا يشهد . وبهذا العلم سمي شيث لأن معناه هبة الله . فبيده مفتاح العطايا على اختلاف أصنافها ونِسَبِهَا ، فإِن الله وهبه لآدم أول ما وهبه : وما وهبه إِلا منه لأن الولد سرُّ أبيه . فمنه خرج وإِليه عاد . فما أتاه غريب لمن عقل عن الله . وكل عطاء في الكون على هذا المجرى . فما في أحد من الله شيء ، وما في أحد من سوى نفسه شيء وإِن تنوعت عليه الصور . وما كل أحد يعرف هذا ، وأَنَّ الأمر على ذلك ، إِلا آحاد من أهل الله . فإِذا رأيت من يعرف ذلك فاعتمد عليه فذلك هو عين صفاء خلاصة خاصة الخاصة من عموم أهل الله تعالى . فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقِي إِليه ما لم يكن عنده من المعارف وتمنحه ( 4 ) ما لم يكن قبل ذلك في يده ، فتلك الصورة عينه لا غيره . فمن شجرة نفسه جنى ثمرة علمه ، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيرَه ، إِلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إِليه تنقلب ( 5 ) من وجه بحقيقة تلك الحضرة ، كما يظهر الكبير في المرآة الصغيرة صغيراً أو المستطيلة مستطيلًا ، والمتحركة متحركاً . وقد تعطيه

--> ( 1 ) ب م ن : الختم ( 2 ) ن : ساقطة ( 3 ) ب : وليس غيره ، ن : لا غيره ( 4 ) ب : وتمنيه ( 5 ) ا : يتقلب .